العدد الثالث
إن اكتساب المعرفة الحديثة، وتوطينها، من خلال رؤية واضحة المعالم، بما في ذلك فن إعمال آليات التخطيط الاستراتيجي طويل المدى، وتوظيف ذلك في تحقيق الأهداف التربوية كان محور حوارنا مع الشيخة عائشة بنت فالح بن ناصر آل ثاني، إحدى أعضاء المجلس الأعلى للتعليم، الذين تم تعيينهم حديثاً بداية هذا العام، ولمدة ثلاث سنوات، تجمع الشيخة عائشة بين ميولها واهتماماتها في قطاع الأعمال وبين الحقل التربوي في آن، لاسيما وهي تحمل درجة البكالوريوس في التربية من كلية الآداب بجامعة قطر، ودرجة الماجستير في إدارة الأعمال من جامعة هيل بالمملكة المتحدة، وتطمح في إكمال درجة الدكتوراه في أطروحة البنوك الإسلامية من المملكة المتحدة في السنوات القادمة.
في عام 2000م أسست الشيخة عائشة أكاديمية الدوحة التي تضم المرحلتين الابتدائية والثانوية، وتركز على مجالين هامين هما: تدريس المنهج البريطاني، وتعليم الدراسات الإسلامية من منظور وسطي. كما شاركت بفعالية في مد جسور مبادرة أيادي الخير لآسيا والتي تُعنى بالإضافة لتقديم الخدمات والمساعدات للمناطق المحتاجة بالبحث عن الطرائق المثلى لدعم المدارس في مختلف البلدان الآسيوية. ومع هذا ففي كل عام تساعد الشيخة عائشة في تنظيم مؤتمر رفيع المستوى حول القضايا التربوية حيث سبق وأن دعت يوسف إسلام مغني البوب الشهير ضمن مجموعة من الشخصيات البارزة للدوحة هذا العام.
تنظر الشيخة عائشة للدور المتعاظم للمرأة القطرية في المجلس الأعلى للتعليم لا سيما في مبادرة تطوير التعليم العام كانعكاس طبيعي للثقافة القطرية السائدة “ إنه شعوري الشخصي بأن للتعليم دور هام في الرُقي والنهوض بالنساء كأمهات، فالأم تعرف تحديداً احتياجات أطفالها في المدرسة، وأعتقد أنها الشخص المناسب لاتخاذ القرارات في هذا الشأن”.
في هذه المقابلة التي أجرتها معها مجلة “تعليم لمرحلة جديدة” استعرضت الشيخة عائشة ما تطمح أن تضيفه للمجلس الأعلى للتعليم، بالإضافة لكيفية توظيف أدوات وآليات إدارة الأعمال بما في ذلك الإدارة الإستراتيجية، والمنافسة والربحية في القطاع التربوي....فإلي مضابط الحوار الذي اتسم بالصراحة والشفافية في آن
س: سعادة الشيخة عائشة بصفتكم عضواً جديداً ما هي الإسهامات التي تطمحين في إضافتها للمجلس الأعلى للتعليم؟
ج: أولاً أنا فخورة – حقاً- باختياري كعضو بالمجلس الأعلى للتعليم، وفخورة أيضاً بالعمل مع فريق رفيع المستوى مكون من كبار قادة الحقل التربوي على المستويين القطري والدولي، فحقاً إنه شرف لا يدانيه شرف بالنسبة لي. كذلك كان الإصلاح التربوي في قطر موضوع أطروحة رسالتي للماجستير، حيث حللت فيها النظام التربوي من كل جوانبه، لهذا فأنا أكثر إدراكاً وإلماماً بمواطن قوته وضعفه على حد سواء، كما يمتلك النظام التربوي إمكانيات كثيرة تمثل مصادر قوته، بما في ذلك الأساليب والوسائل التي تجعل منه نظاماً صحياً، وأعتقد بإمكاننا أن نتبادل هذه الرؤى والأفكار مع العاملين في الحقل التربوي في قطر، بالإضافة إلى ذلك لدي رؤى وفهم عميق للنظام التربوي حيث سبق وأن أوصيت في دراساتي بالحاجة إلى وجود نظام رصد على مستوى كل مدرسة على حدة، لرصد جملة مؤشرات بدلاً من الاعتماد بصورة مفرطة على مؤشر واحد، فحتى الآن يتم الاعتماد على نتيجة الامتحان، ومع أنني أدعو لخلق ثقافة تركز على المخرجات والنتائج إلا أن هناك مؤشرات أخرى يمكن أن تعزز المدرسة أو تغير فيها، لكل هذا نأمل أن نساهم في هذا الخصوص.
الشيء الآخر هو خبرتي في مجال الإدارة الإستراتيجية وهو مجال تم تقويضه وتشويهه على مستوى القطاع التربوي، فالإدارة الإستراتيجية تستخدم الآن على نطاق واسع، ولا يمكن مجرد التفكير في منظمة لا تمتلك أهدافاً إستراتيجية وخطة لتحقيق هذه الأهداف. فالمجلس الأعلى للتعليم يمتلك خطة إستراتيجية شاملة وواضحة المعالم، ولديه أهداف ومقاصد يسعى لتحقيقها، وخطة زمنية سوف ينجز خلالها هذه الأهداف، وأعتقد بعد سنوات معينة إن الفجوة الموجودة الآن بين التعليم العالي والمدارس المستقلة سوف يتم تجسيرها، والآن تتطلع كل المدارس على المستوى الفردي لتبني هذا النموذج الإداري.
خلاصة القول فإن مجيئي من وسط قطاع الأعمال بخلفيتي الإدارية، بالإضافة لخلفيتي التربوية تجعلني أتقدم بإدراج أو تبني فلسفة المنافسة ليس بين المدارس الحكومية فقط بل بين المدارس الحكومية وغيرها من المدارس الخاصة.
س: كيف تعزز المنافسة في نظركم من المدارس المستقلة، وهل المدارس المستقلة تحدث شعوراً بالرضا من منظور القطاع الخاص أكثر من المدارس الحكومية التقليدية؟
ج: أعتقد أن المدارس مثلها مثل كل المنظمات تنمو وتزدهر في ظل أجواء وضغوط المنافسة، ففي الوقت الراهن لا تتنافس المدارس المستقلة مع بعضها البعض فقط بل تتنافس مع القطاع الخاص والقطاع العام أيضاً، لذلك فهي مدفوعة بتعزيز الجودة مادامت تُرصد وتُراقب عن كثب من قبل المجلس الأعلى للتعليم، وفي اعتقادي أن هذا النظام نظام صحي وسليم ومزدهر .
س: إذا أخذنا في الاعتبار التغيرات الأخيرة فيما يتعلق بقواعد عمل أصحاب التراخيص، فإن دافع الربحية سوف يختفي تماماً، هل تعتقدين أن ذلك سيقوي النظام أم سيضعفه؟
ج: لكل نهج سلبياته وايجابياته، والمجلس الأعلى للتعليم يعالج الآن السلبيات التي أفرزها النظام الجديد، وأعتقد أن الإجراءات التي تم اتخاذها مؤخراً فيما يتعلق بتقنين عمل أصحاب التراخيص سوف تعزز وتحسن من أداء النظام التربوي. كذلك عندما يصدر قرار ما فإن ذلك يتم بعد بحث شامل وتجربة، ومن ثم فإما أن ينجح أو يفشل. بيد أنه علينا أن نتبنى التغيير، فالطريق الوحيد لازدهار ونمو أية منظمة في القرن الحادي والعشرين هو تبني التغيير، لذلك مهما يكن نوع التغيير الذي نجريه على النظام التعليمي إلا أننا توصلنا إليه بعد دراسة وبحوث شاملة وواسعة في ذات الوقت.
س: بالإضافة لفلسفة المنافسة ما هي سمات التطوير الأخرى الأكثر أهمية في نظركم؟
ج: السمة التي أعتقد بأنها أكثر أهمية والتي صاحبت ظهورالمدارس المستقلة هي استخدام وتوظيف التفكير الإبداعي، فإذا ما ذهبت لمدرسة مستقلة ما وتحدثت مع الأطفال، وشاهدت ُنهج التدريس التي يتبناها المعلمون، تشعر بأن النهج التقليدي المتمثل في نظام المرسل والمتلقي لم يعد له وجود هناك، فثمة تفاعل بين الطلاب والمدرسين، وهو شيء ممتع.
كذلك أعتقد إن خلق ثقافة تركز على النتائج والمخرجات في المدارس شيء مهم، فلدينا اختبارات مقننة، وبإمكاننا المقارنة بين مدرستين لنرى أيهما أحسن أداءً، فهذه إحدى السمات التي أنا مسرورة وسعيدة بها. السمة الأخرى تتمثل في المحاسبية التربوية فأي صاحب ترخيص يكون مسئولاً عما يحصل في مجاله.
س: يتكون نظام التعليم القطري من نوعيات عديدة ومختلفة من المدارس على المستويين الخاص والعام، كيف تنظرين لعمل كل هذه المدارس معاً؟
ج: التنوع شيء صحي. وفي الحقيقة إذا ما نظرت لدولة مثل بريطانيا فثمة طرق عديدة في عملية استحداث مدارس جديدة، فبالإمكان تبني نظام الأمناء المعمول به في بريطانيا، والذي سوف يكون ناجحا في قطر. ومع ذلك فإن الاعتماد المتبادل بين القطاعات لا يمكن تجاهله في هذا الشأن، فإذا ما نجحت المدارس الخاصة وازدهرت فإن ذلك مدعاة للمدارس الأخرى لكي تحذو حذوها، فالنجاح في قطاع ما يحسن من أداء القطاعات الأخرى ويرفع جودتها، فثمة ترابطية واعتمادية متبادلة في هذا الشأن، ما أشعر به هو احتمال أن يكون هناك اتجاه لربط النظام بصورة ما أكثر مما هو سائد الآن. كذلك يمكن أن يكون هناك تداخل واعتماد أكثر بين القطاعات المختلفة.
س:هل تعتقدين أن الثقافة القطرية تشجع عملية التطوير أم تقف حجر عثرة أمامها؟
ج: أعتقد أن الثقافة القطرية ثقافة مدفوعة باعتبارات النتائج والمخرجات، وهي تساعد التطوير وترفده. فأولياء الأمور يريدون النجاح لأطفالهم وهم يرون النهضة التي يشهدها القطاع التعليمي، ويتطلعون في ذات الوقت إلى أن يكون أولادهم جزءاً من هذه النهضة، لذلك تجدهم يذهبون للمدارس بصورة لم نعهدها من قبل، يراجعون المدارس من أجل معرفة نتائج أبنائهم، ويطلعون على المناهج الدراسية ويقارنون بينها، فالثقافة القطرية كانت ومازالت مناصرة وداعمة لتطوير التعليم، ولكنها الآن تدعمه بصورة أكثر من أي وقت مضى. كذلك ينظر أولياء الأمور للجامعات التي اتخذت من قطر مقراً لها مثل جامعة كارنيجي ميلون وجامعة كورنيل وغيرهما، ويفكرون في كيفية إلحاق أبنائهم بهذه الجامعات. ربما كان أولياء الأمور حذرين قليلاً في بداية عملية التطوير ولكنهم الآن يتنافسون من أجل إلحاق أطفالهم بالمدارس المستقلة مما يعد مؤشراً صحيا على نجاح هذه المدارس.