![]() |
نماذج من مبادرات تطوير التعليم في دول الخليج العربي |
|
|
(PDF - 368 KB) تحميل نسخة طباعية النوع: مجلة تعليم لمرحلة جديدةالتاريخ: 26 يناير 2006
العدد الأول: وفي هذا السياق جاءت مبادرة تطوير التعليم بدولة قطر– تعليم لمرحلة جديدة، لتحقق ذات الأهداف في تناسق وتناغم مع مبادرات تطويرية أخرى شملت المنظومة التربوية في كثير من البلدان، ومنها دول مجلس التعاون الخليجي، هادفة إلى إحداث تعديلات جوهرية في نظم المناهج الدراسية والإدارة المدرسية والتقويم وتحسين مستوى أداء الطلاب. حدث ذلك في دولة الإمارات العربية المتحدة ومملكة البحرين ودول أخرى عديدة في المنطقة. لقد وجدت المبادرة القطرية التقدير من المسؤولين عن التعليم في هذه الدول، لما انطوت عليه من أفكار مستنيرة ، وما تضمنته من مبادئ و مرتكزات كالاستقلالية والمحاسبية والتنوع والاختيار مثلت في جوهرها قوة دفع ذاتي كفيلة بنجاح المبادرة وضمان استمراريتها. لقد حفلت المبادرات الأخرى بذات الأفكار والمبادئ، وعالجت ذات القضايا التي طرحتها المبادرة القطرية في سياقات مختلفة، كالإدارة المستقلة للمدارس ،المحاسبية، وضوح الرؤية والشفافية..الخ. لقد اعتمدت هذه المبادرات على معالجة التحديات التي واجهت التغيير الجديد فثمة توافق في الآراء بين الباحثين والتربويين مؤداه عدم اعتبار التعليم كياناً حكومياً بأكمله، بيد أنه لا يمكن اعتباره كياناً خاصاً كذلك، لذا ظهر في أدبيات التربية الحديثة مفهوم الشراكة التربوية التي تزاوج بين أدوار كل الفاعلين في العملية التربوية، بما في ذلك الحكومة والقطاع الخاص وأولياء الأمور والطلاب والمعلمين والأسرة والمجتمع والوسائط الإعلامية ومؤسسات المجتمع المدني وكل المهتمين بالعملية التربوية حتى يصار التعليم مسؤولية الجميع. كان التعليم - وما زال- هادفاً إلى تلقين الحقائق أكثر من تنمية المهارات أو القدرة على التفكير الخلاق الناقد، مرتبطاً بالتوسع الأفقي، مستخدماً المعايير الكمية في رصد مخرجاته دون حصول تحسينات جوهرية في نوعية المهارات وتعزيزها، متسماً بتدني التحصيل المعرفي وقلة تراكمه، وضعف القدرة على التحليل والابتكار لدى الطلاب، مشوهاً نظام التفكير عند الناشئة، مقصراً عن الوفاء بمقتضيات ومتطلبات تطوير المجتمع حيث يصل الطلاب إلى مستويات متقدمة وهم غير مؤهلين للتعلم. في هذا السياق اهتدت بعض الدول إلى إيجاد طرائق أفضل لقياس نوعية التعليم ومدى ملاءمته لواقعها وخصوصياتها، بما في ذلك تعديل السياسات وتغيير الأهداف والمقاصد التربوية، ووضع معايير واقعية لتقييم العملية التربوية موضع التنفيذ، والمساعدة في توجيه جهود المعلمين وتطويرها، وتعزيز المساءلة أو المحاسبية التربوية، وزيادة وعي الجمهور ودعمه للتعلم ، واعتماد مبدأ التعليم التفاعلي الذي يعزز المشاركة بين المعلم والطالب وولي الأمر والأسرة. تعليم يسعى إلى إكساب المهارات اللازمة لعملية تعلم ذاتي ومتفاعل ومستمر مدى الحياة، ويفرز التفكير الإبداعي والابتكاري الناقد، ويعزز العمل الجماعي، وينمي الثقة بالذات، والقدرة على اتخاذ زمام المبادرة، وتحمل المسؤوليات، والوصول للمعلومات وعرضها وتحليلها وتوظيفها، والتفاعل مع الثقافات والحضارات الأخرى واحترامها ، ويعظم الاستفادة من الاكتشافات الجديدة واستخدامها في تحسين الإنتاجية مما يفضي لرفاهية المجتمع برمته. فقد أضحى تطوير المنظومة التعليمية والارتقاء بها مجالاً وعنصراً مهماً في التنافسية الدولية ومدخلا للاستقطاب العالمي في عالم يتسم بالمعرفة النوعية، توجهه و تتحكم في مساره العولمة بكل أدواتها وآلياتها وتجلياتها. استجابة لهذه التحديات والمتغيرات ظهرت مبادرة تطوير التعليم العام في دولة قطر –تعليم لمرحلة جديدة، مصطحبة معها كل المحاولات و الجهود التربوية التي بذلت على المستوى الوطني والرامية لتطوير المنظومة التربوية مستأنسة بها ومستفيدة من معطياتها في آن واحد، بما في ذلك جهود خبراء منظمة اليونسكو لتقييم التعليم في قطر 1990م، وجهود وزارة التربية والتعليم خلال عقد التسعينيات وقبله، والمتمثلة في توصيات فرق العمل المختلفة المختصة والمؤتمرات والملتقيات العلمية ذات الصلة بهذا الشأن.
الإستقلالية والمحاسبية والتنوع والإختيار أهم مبادئ المبادرة القطرية
التنوع: والذي يوفر بدائل تربوية متنوعة مع الالتزام بمعايير ثابتة لمستوى الأداء حيث الفرصة متاحة لأولياء الأمور والتربويين ورجال الأعمال وكل مهتم بالارتقاء بنوعية التعليم في التقدم للحصول على ترخيص لإنشاء مدرسة مستقلة لترجمة فلسفتهم التربوية . الاختيار: الذي يمنح أولياء الأمور الفرصة والحق في اختيار المدارس التي تتناسب ورغبات أبنائهم وحثهم على الإسهام في القرارات المدرسية. هدفت المبادرة إلى تقديم تعليم عالي النوعية مستنداً إلى معايير تتفق والتوقعات الدولية لما يجب أن يتعلمه الطالب، و يمكن خريجي النظام التعليمي من الالتحاق بأرقى الجامعات في العالم، هذه المعايير تبين المهارات التي يتعين على المتعلم أن يكتسبها ويتقنها ويكون قادراً على توظيفها بكفاءة واقتدار بنهاية الصف الدراسي، كما أنها تضع تصوراً لما يجب أن تكون عليه الممارسة التعليمية في المدارس، بالإضافة لإعداد جيل متميز يتمتع بشخصية قوية متسلح بالعلم والمعرفة، وذلك بإنشاء مدارس مستقلة تعمل على تطوير قابلية التعلم لدى الطلاب من خلال تطبيق مجموعة من المناهج والمعايير المرتكزة على قواعد عالمية تعمل على تحفيز قدراتهم الابتكارية والتأكد من اكتساب الطلاب للمهارات الرئيسية مثل التفكير النقدي وحل المشكلات واتخاذ القرارات والإبداع والقدرة على استخدام التقنيات الحديثة والتواصل معها بفاعلية للوصول إلى أفضل المستويات العلمية التي تضارع المستويات العالمية، بالإضافة لتلبية احتياجات سوق العمل المحلية والعالمية، وإشراك أولياء الأمور في العملية التعليمية وتلبية طموحاتهم، وتنشئة مواطنين يشاركون بفاعلية في تنمية الوطن، وغيرها من الأهداف والمقاصد التي تطمح المبادرة لتحقيقها. لم تنس المبادرة- تعليم لمرحلة جديدة- علاقة منظومة التعليم بالسياق الاجتماعي والثقافي، مستفيدة من معطيات التجارب العالمية مع الحفاظ على الهوية والذاتية العربية والإسلامية، مركزة على دور التعليم الاجتماعي ووظيفته النهضوية في سياق الخصوصية الثقافية والثوابت الوطنية، مهتمة في هذا الشأن بسنوات الطفولة المبكرة ودورها الرائد في تشكيل وتخليق العقل البشري، وتحديد مدى قابلياته وإمكانياته وتنميتها، مدركة تمام الإدراك أن المعلم المقتدر المتحلي بالدافعية والطالب الذي يشعر بالرضا النفسي في ظل بيئة تربوية داعمة ومعززة للعطاء التربوي هما أفضل سبيل لإنجاح أي نظام تعليمي وتطويره وضمان استدامته.
مجالس الأمناء في قطر نموذج للإدارة المدرسية الحديثة على المستوى الإقليمي قامت بعض البلدان العربية بتبني مشروعات تطويرية شملت منظومتها التربوية منها على سبيل المثال دولة الإمارات العربية المتحدة، هادفة إلى بناء نظام تعليمي جديد وذلك لتخريج أجيال مستنيرة قادرة على خوض مسار التعليم العالي بنجاح، ومستعدة للتعامل بكفاءة مع متطلبات العصر، بل مؤهلة لتحمل المسؤوليات التي تتطلبها خطط التنمية الشاملة في كافة المجالات، وذلك من خلال تطوير معايير تربوية بدرجة عالمية مناسبة للإمارات العربية المتحدة، والانتقال إلى بيئة تعلم متمحورة حول الطالب، وإعادة تنظيم النظام التربوي مع زيادة جوهرية في السلطة والمسؤولية والمؤهلات والقابلية للمحاسبة في المدارس ووضعها في محور الإصلاح التربوي، و دمج التكنولوجيا مع التعلم وتوظيفها لإدارة ومحاسبة النظام التربوي، وتطبيق برنامج ملح لترقية وإعادة بناء وتجهيز أبنية المدرسة، ومراجعة التوظيف والمكافآت والتطوير الحرفي، ووضع برامج تقويم للمعلمين والمديرين والحرفيين في المدارس ومراجعتها بصورة دورية، وزيادة الاستثمار العام والقابلية للمحاسبة زيادة جوهرية من أجل نجاح المدرسة وتعزيز دورها.
المبادرة الإماراتية وضعت الطالب في قلب العملية التربوية وفي هذا الصدد يشدد المشروع على أن التطوير المنشود سيلبي تطلعات دولة الإمارات العربية المتحدة في الوصول إلى اقتصاد متنوع، ويعزز مساهمتها في الثورة التكنولوجية التي يشهدها القرن الحادي والعشرين، وذلك من خلال تطوير معايير تربوية وفق أسس عالمية، وإقرار نظام حديث للمباني التعليمية، و تهيئة البيئة التعليمية وتزويدها بالبنية التحتية المناسبة من الإنترنت وتقنية المعلومات، وإقرار كادر خاص بالمعلمين والعاملين في التربية والتعليم ورفع مكانة المعلم، وتطوير شامل لقطاع التعليم الخاص وفق أطر قانونية. ولما كان هدف النظام التربوي الجديد تلبية الطلاب لمعايير تعلم عالمية رأت دولة الإمارات العربية المتحدة أنه لا بد من تحديد تلك المعايير وأن تكون هناك وسيلة لتقويم تعلم الطلاب وتحسين التدريس ومعرفة كيفية عمل النظام بصورة جيدة .
يؤمن المشروع على تفعيل دور المدرسة بحيث تصبح أساسا لعملية التطوير، ويتاح لمديرها وكافة المعلمين فيها الفرصة لأخذ المبادرات المطلوبة وتطويع الممارسات التعليمية الجيدة وذلك في إطار من اللامركزية والاستقلالية وتحمل المسؤولية . يشير المشروع إلى أن النجاح في النظام المقترح يعتمد على تغيير نظام التوظيف من خدمة مدنية إلى نظام احترافي على أساس تعاقدي لكل الموظفين. ومقابل تولي المسؤوليات الأكبر في هذا النظام يتلقى المحترفون رواتب أعلى وتطويراً حرفياً طوال الخدمة وفرصاً إضافية للإبداع والإنجاز. مملكة البحرين لم تكن بمنأى عن زخم الإصلاح والتطوير الذي طال المنظومة التربوية، فيشير ملخص نتائج تشخيص النظام التعليمي الحكومي والذي اقتبسنا بعض معطياته من مشروع تطوير التعليم والتدريب في مملكة البحرين إلى أن أداء مخرجات النظام التعليمي في المملكة أقل من مستوى الدول المجاورة، ومستوى إتقان الكفايات في المواد الدراسية الأساسية (اللغتين العربية والإنجليزية والرياضيات والعلوم) أقل من المتوقع في كافة المراحل التعليمية، ومستوى إتقان الكفايات الأساسية لدى البنين أقل من البنات. ويعزو التشخيص ضعف أداء الطلبة إلى جملة أمور منها المناهج الدراسية التي تركز على المعرفة دون المهارات، بالإضافة إلى ضعف نوعية طرائق التدريس والتي وُصفت بأنها غير مشوقة بالنسبة للطلبة هذا بجانب ضعف تدريب المعلمين وإدارتهم. كذلك أشار التشخيص إلى أن أداء الطلبة البحرينيين في الاختبار الدولي (TIMSS) للصف الثامن(الثاني الإعدادي) يأتي في المراتب المتأخرة أي دون المتوسط الدولي، وهناك فجوة بين الجنسين في الاختبار الدولي (TIMSS) لصالح البنات حيث حققت البنات نتائج أفضل من البنين (المصدر: الاتجاهات في الدراسة الدولية حول الرياضيات والعلوم ،2003م). وتشير الإحصاءات إلى أن حوالي نصف طلبة جامعة البحرين يفشلون في مواصلة دراستهم للحصول على البكالوريوس خلال السنتين الأوليين.
كذلك طرح المشروع عدة أسئلة حول كيفية تعزيز متطلبات وشروط قياس أداء المدرسة بالمشاركة مع المعنيين بالتعليم ، وتحديد معايير النظام التربوي بأكمله وقياس الأداء مقارنة بالمعايير الدولية.
مدارس المستقبل في البحرين وسيلة لتطوير التعليم وربطه بتقنية المعلومات مهما يكن من أمر، فتطوير المنظومة التربوية أضحى ضرورة وطنية، وحتمية تنموية، واتجاهاً دولياً عاماً في عالم سريع التغير، توحدت فيه الأسواق لا سيما سوق العمل، يعززه عدم الرضا عن مخرجات العملية التربوية، وعدم مواكبتها لمتطلبات العصر، وقصورها عن تلبية مقتضيات ومتطلبات خطط التنمية الشاملة في البلدان الثلاث قطر والإمارات والبحرين، مما دفع كلاً منها إلى التطلع والبحث عن مشروع تطويري ينهض بمنظومتها التربوية، مع مراعاة الخلفيات الثقافية والخصوصية الدينية والثوابت الوطنية، ويفضي إلى تكوين رأس مال بشري عالي النوعية وفق مواصفات عالمية يكون مفتاحاً للتنمية ومحركاً لها على حد سواء.
المصادر:- |
سجل بريدك الإلكتروني لتزويدك بآخر المستجدات |